محمد متولي الشعراوي
762
تفسير الشعراوي
والحق سبحانه قال : « فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » ، وهذا القول يلفتنا إلى أن الإنسان إذا ما عزم على اتخاذ أمر في مسألة الوصية فعليه أن يستشير من حوله ، وأن يستقبل كل مشورة من أهل العلم والحكمة ، وذلك حتى لا تنشأ الضغائن بعد أن يبرم أمر الوصية إبراما نهائيا . أي بعد وفاته ، والحق قد وضع الاحتياطات اللازمة لإصلاح أمر الوصية إن جاء بها ما يورث المشاكل ؛ لأن الحق يريد أن يتكاتف المؤمنون في وحدة إيمانية ، لذلك فلا بد من معالجة الانحراف بالوقاية منه وقبل أن يقع . ولذلك يقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « مثل القائم على حدود اللّه والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم فقالوا لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا » « 1 » . والحديث الشريف يضرب المثل على ضرورة التآزر والتواصى بين المؤمنين حماية لهم . فهؤلاء قوم اقتسموا سفينة بالقرعة ، والاستهام هو قرعة لا هوى لها ، وسكن بعضهم أسفل السفينة حسب ما جاء من نتيجة الاستهام ، وسكن بعضهم أعلى السفينة . لكن الذين سكنوا أسفل السفينة أرادوا بعضا من الماء ، واقترح بعضهم أن يخرقوا السفينة للحصول على الماء ، وبرروا ذلك بأن مثل هذا الأمر لن يؤذى من يسكنون في النصف الأعلى من السفينة ، ولو أنهم فعلوا ذلك ، ولم يمنعهم الذين يسكنون في النصف الأعلى من السفينة لغرقوا جميعا ، لكن لو تدخل الذين يسكنون في النصف الأعلى من السفينة لمنعوا الغرق ، وكذلك حدود اللّه ، فعلى المؤمنين أن يتكاتفوا بالتواصى في تطبيقها ، فلا يقولن أحد : « إن ما يحدث من الآخرين لا شأن لي به » لأن أمر المسلمين يهم كل مسلم ، ولذلك جاءت آية قال فيها سيدنا أبو بكر رضى اللّه عنه : « هناك آية تقرأونها على غير وجهها » أي تفهمونها على غير معناها . والآية هي قول الحق :
--> ( 1 ) رواه البخاري والترمذي ورواه أحمد في مسنده عن النعمان بن بشير .